Reklama

jeudi 25 novembre 2010

0
رسالة من سفيان بن رمضان تجمع بين الشتيمة والهداية على نحو عجيب، نموذج من منتوجات إسلاميي الفايسبوك

Sofien Romdhane 26 avril, 21:58 Signaler
tfih 3lik ya khamja ya malhet la3net rabi 3likk allah la trab7ek la dine la ekhra ya mounef9a
ن الامام علي بن أبي طالب قال: دخلت أنا و فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدته يبكي بكاء شديدا فقلت: فداك أبي و أمي يا رسول الله ما الذي ابكاك فقال صلى الله عليه وآله وسلم يا علي: ليلة اسري بي الى السماء رأيت نساء من أمتي في عذاب شديد و اذكرت شأنهن لما رأيت من شدة عذابهن

رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها

و رأيت امرأة معلقة بلسانها و الحميم يصب في حلقها

و رأيت امرأة معلقة بثديها

و رأيت امرأة تأكل لحم جسدها و النار توقد من تحتها

و رأيت امرأة قد شد رجلاها الى يدها و قد سلط عليها الحيات والعقارب

و رأيت امرأة عمياء في تابوت من النار يخرج دماغ رأسها من فخذيها و بدنها يتقطع من الجذاع و البرص

و رأيت امرأة معلقة برجليها في النار

و رأيت امرأة تقطع لحم جسدها في مقدمها و موخرها بمقارض من نار

و رأيت امرأة تحرق وجهها و يدها و هي تأكل امعائها

و رأيت امرأة رأسها رأس خنزير و بدنها بدن حمار و عليها ألف ألف لون من بدنها

و رأيت امرأة على صورة الكلب و النار تدخل من دبرها و تخرج من فمها و الملائكة يضربون على رأسها و بدنها بمقاطع من النار

فقالت فاطمة: حسبي و قرة عيني اخبرني ما كان عملهن و سيرهن حتى و ضع الله عليه هذا العذاب فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا بنيتي

اما المعلقة بشعرها فانها كانت لا تغطي شعرها من الرجال

اما المعلقة بلسانها كانت تؤذي زوجها

اما المعلقة بثديها فانها كانت تمتنع عن فراش زوجها

اما المعلقة برجلها فانها كانت تخرج من بيتها بغير اذن زوجها

اما التي تأكل لحم جسها فانها كانت تزين بدنها للناس

اما التي شد رجلاها الى يدها و سلط عليها الحيات و العقارب فانها كانت قليلة الوضوء قذرة اللعاب و كانت لا تغتسل من الجنابة و الحيض و لا تنظف و كانت تستهين بالصلاة

اما العمياء و الصماء و الخرساء فانها كانت تلد من الزنا فتعلقه بأعنق زوجها

اما التي كانت تقرض لحمها بالمقارض فانها كانت قوادة
اما التي رأسها رأس خنزير و بدنها بدن حمار فانها كانت نمامه كذابه
اما التي على صورة الكلب و النار تدخل من دبرها و تخرج من فمها فانها كانت معلية نواحه
ثم قال صلى الله عليه وسلم على آله وصحبه اجمعين : و يل لامرأة اغضبت زوجها و طوبى لامرأة رضى عنها زوجها
lundi 31 mai 2010

0
سياسة المراحل عند الإسلاميّين من الشّريعة إلى الدّيمقراطيّة، أم من الدّيمقراطيّة إلى الشّريعة؟



الاحد 4 آذار (مارس) 2012





نشرنا في الأوان حوارا أجري مؤخّرا مع المفكّر والدّاعية السّويسريّ طارق رمضان، رجونا أن يكون منطلقا للتّفكير والنّقاش في مسألة دقيقة هي علاقة الإسلاميّين بالحقوق والحرّيّات الفرديّة. 
يقرّ طارق رمضان في هذا الحوار، أو يخيّل لنا أنّه يقرّ، بمبدإ أساسيّ من مبادئ الحقوق الجنسيّة هو حرّيّة الإنسان في سلوكه الجنسيّ. فقد أجاب عن سؤال متعلّق بالمثليّة الجنسيّة على هذا النّحو : " ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك الجنسي لرجل أو لامرأة". كما يقرّ، او يخيّل لنا انّه يقرّ بمبدإ متعلّق بالحقوق الإنجابيّة، وبمسألة الإجهاض، بقوله : "باسم المرجعية الإسلامية حول مسألة حساسة مثل الإجهاض ينبغي للمرأة امتلاك الحق بأن يكون بمقدورها أن تقرر الأمر بذمتها وضميرها." 
قد نستبشر بهذه الأجوبة، ونعتبر هذا الدّاعية قد قطع شوطا في مجال الحرّيّات، إذا تذكّرنا الضّجّة التي أثارها سنة 2003، عندما دعا إلى تعطيل العمل برجم الزّاني والزّانية ولم يدع إلى إلغائه، في سياق تميّز بالإدانة الدّوليّة لمجموعة من القضايا كانت فيها المرأة ضحيّة لهذه العقوبة الجسديّة القائمة على التّنكيل والتّعذيب والامتهان.


http://www.alawan.org/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%B9%D9%86%D8%AF.html
jeudi 6 mai 2010

0
يمكن أن ننتمي إلى الإسلام باعتباره دينا أو باعتباره ثقافة.


 توضيح لبعض المفاهيم
فلا يوجد في العربيّة مقابل لمفهوم الانتماء الثّقافيّ لليهوديّة والنّصرانيّة، أي لما يعبّر عنه في الفرنسيّة بـجود
judéité و chrétienté 
، وهما لفظتان تعنيان طريقة الإنسان في أن يكون يهوديّا أو نصرانيّا بقطع النّظر عن عقيدته وعلاقتها بالمعتقد المكرّس. إنّها خانة فارغة في ثقافتنا ولغتنا لسبب بسيط هو أنّ الدّين الإسلاميّ لم يتعرّض إلى حركة الإصلاح التي تسمح للمسلم بأن يكون له انتماء ما إلى ثقافة الإسلام وأن يكون في الوقت نفسه ملحدا أو لاأدريّا، في حين أنّ هذه النّقلة حصلت في الدّيانتين الأخريين. المسلم عندنا يولد مسلما وإذا لم يعد مؤمنا بعقيدة الإسلام، فإنّ له وضعا واحدا يواصل الوصاة على الدّين فرضه، هو وضع المرتدّ الذي يجب أن يقتل. المسلم إمّا أن يكون مسلما أو مرتدّا أو في حكم المرتدّ الذي نجا من القتل نتيجة تعطيل حدود اللّه، ولا يمكن له أن يعتزّ بجذوره الإسلاميّة أو يبدي تعاطفا مع المسلمين وهو غير مؤمن بعقيدة الإسلام.

من كتاب "في نقد إنسان الجموع  
vendredi 3 avril 2009

1
الكدرون والجبّة والفولارة أفضل وأجمل

مسألة ذوقية، وقد تكون تافهة، لكن تجربتي علمتني أهمية كل ما هو تافه وهامشي ومنفلت. المواطنون التونسيون الملتحون الذين يلبسون جلبابا على الطريقة الأفغانية، إن كانوا لا يريدون الملابس الغربية فهذا من حقّهم، لكن لماذا يتركون الكدرون التونسي والجبّة ويختارون هذا اللباس الذي لا يتلاءم مع طقس البلاد؟ جلباب أفغاني وفوقه بلوزون حديثة أليس هذا اعتداء على الذوق السليم؟ اليوم في الكلية رأيت طالبا ملتحيا من هذا النوع. أصابني المشهد بالغرابة الموحشة
لكم في الكدرون والجبة غنى عن لباس الطالبان. ولكن في التقريطة والفولارة غنى عن الحجاب الإخواني الذي يشبه الكفن. هذا مجرد رأي لا علاقة له بالديمقراطية. لا تسيسوا رأيي من فضلكم. ولا تعتبروه مسألة علمية.

الفايسبوك ليس للبحث العلمي
mercredi 26 novembre 2008

0
هل العنف اللفظيّ من مبادئ الإسلاميين؟ هل وصف النّساء بأنهن "عاهرات" سنّة عندكم؟

نحن ضدّ كل الدوغمائيّات وكل مظاهر التعصب والعنف المنافي للديمقراطية. ورغم وجود أطراف سياسية تونسية ليست عريقة في الديمقراطية والتعددية (بعض أحزاب أقصى اليسار، والأحزاب القومية..)، فإنّ الطرف السياسي الذي نلاقي صعوبة في فهم مرجعيّته، ونلقى من بعض أطرافه كل أنواع العنف اللفظي وكل الممارسات غير المتمدنة هو الطرف الإسلامي. لذلك فإن العريضة التي نشرتها على هذا الحائط كانت ضد التعصب الإسلاموي. شخصيا لم ألاق عنفا وشتما وخروجا عن حدود اللياقة إلا من هؤلاء
vendredi 9 mai 2008

0
فنتازم السيناريو الجزائريّ تجب مقاومته لدى الخائفين منه أو الرّاغبين فيه

هناك في الهواء، أشتمّ رائحته دائما رغم أنّه مسكوت عنه عموميّا، فنتازم تكرار السيناريو الجزائريّ لدى الراغبين في هذا السيناريو نظرا إلى خوفهم من الأحزاب ذات المرجعيّة الدينيّة، أو الخائفين منه نظرا إلى خلفيّتهم الدينيّة. وأعي ما أقول لأنني أستمع إلى الكثيرين. لننهض بعب الدّيمقراطيّة على نحوين : أن نقبل بنتائج الانتخابات مهما كانت، وأن نفرض التّمشّي الدّيمقراطيّ على كلّ أغلبيّة تريد الحياد على المبادئ الدّيمقراطيّة. الدّيمقراطيّة روحها المساواة والحرّيّات، بما في ذلك الحرّيات الفرديّة والتعددية وحرية المعتقد، ويجب أن نرعى هذه المبادئ ونجذّرها بعد الانتخابات، وأن نلزم كلّ الأطراف بها، بما في ذلك الأحزاب ذات المرجعيّة الدينيّة، والتي يعلن قياديّوها قبولهم بهذه المبادئ. يجب أن نلزمهم بما يتعهّدون به رغم كلّ ازدواج في الخطاب

لذلك : لا أتمنّى أن يتكرّر السّيناريو الجزائريّ بتونس، وأعتقد أنه لن يتكرّر. لن تزوّر الانتخابات لأنّ كلّ الضمانات موجودة لكي لا تزوّر. تونس 2011 ليست جزائر الثمانينات. ويجب أن نعمل على استتباب الأمن لكي نتجنّب إجهاض المسار الدّيمقراطيّ عندما يضطر الجيش إلى التدخّل في الحياة السياسيّة. هذا هو المحذور الحقيقي حسب رأيي
lundi 5 novembre 2007

0
المواطنة تعني أننا ننتمي إلى الجمهورية التونسية أولا وقبل كل شيء

هناك كلمات يقشعرّ جسمي عندما أسمعها : ساحلي، صفاقسي، بلدي إلخ. عندي أصدقاء من 20 سنة لا أعرف من أي جهة هم ولا يهمني أن، أعرف. الثورة قامت خارج كل منطق حزبي أو عشائري أو مذهبي أو جهوي. قامت للمطالبة بالعدالة في التنمية بين الجهات لكن على أساس الحق في الكرامة والعيش الكريم لا على أساس أنا من هذه الجهة وأنت من تلك الجهة.. فحتى في المدن الساحلية توجد أحياء وتوجد فئات لم تنل حظها من التنمية. الحكومة الحالية أعضاؤها من مختلف الجهات، الهيئات التي تكونت إثر الثورة لم تتكون على أساس جهوي. لنحافظ على نبل هذه الثورة وعلى مستواها الإنساني المرتفع. هناك فارق بين النعرة وطلب الحق. لنبق في مستوى طلب الحق لا طلب الأخذ بالثأر... إن كان بعض المتنفذين يضع في حسبانه هذه النعرات فيجب أن نرفضها. أ
كتب هذا لأنني استأت من تعليقات تشير إلى الجهة التي انحدرت منا أسرتي، على أساس أنني أنتمي إليها. لا أنتمي إلا إلى جمهورية تونس يا جماعة
samedi 5 mai 2007

0
ممارسة الحرّية أهم من الانتفاض على جهاز السلطة

السّلطة وظيفة بالمعنى البنيوي، يشغلها اليوم فلان وفلان وغدا علان وعلان.. من المهم أن نوجد الهيئات التي تراقبها، ولكن من المهم، بل من الأهم حسب رأيي أن نمارس الحرية بقطع النظر عنها، خاصة بعد أن اتّسع مجال الفعل بفضل الثورة. ما ألاحظه هو التركيز على جهاز السلطة وإغفال الحرية. سلبي الاحتجاج المبالغ فيه أحيانا، متغلب على إيجابي بناء تجارب الحرية. 

تأمل من وحي ميشال فوكو
dimanche 17 septembre 2006

0
هذه ليست تفجيرات 11 سبتمبر




رجم طفلة معصوبة العينين لها من العمر ستّة عشر ربيعا، رجمها بتهمة الزّنا إلى أن تسقط خائرة القوى ويتأكّد الرّهط المحيط بها من موتها،
قطع يد سارق وتحويله من إنسان قويم قابل للتّأهيل والتّربية إلى معاق سيبقى مبتورا مبصوما إلى آخر رمق في حياته،
قطع رقبة شاعر بتهمة الرّدّة عن الإسلام، لن يذكر اسمه بعد ذلك إلاّ في تقارير بعض المنظّمات المتخصّصة في حقوق الإنسان، أو في الفصل 19 من الإعلان العالميّ عن حقوق الإنسان، (لن تذكره على أيّة حال اتّحادات الكتّاب العربيّة المعنيّة أوّلا وقبل كلّ شيء بالمشاركة في المهرجانات السّارّة والعكاظيّات القوميّة التي لا تنغّصها القضايا المتنافية مع ثوابت الأمّة)،
منع امرأة من أن ترث كإخوتها، شعورها بأنّها قطّة الرّماد في عائلة من الذّكور المحظوظين الوجهاء، رغم أنّها تحبّ أباها الدّفين، وتريد التّحرّر من قصّة الأصل الجماعيّة والفرديّة التي تجعل من المرأة كائنا دونيّا، منذ خروج حوّاء من ضلع آدم إلى ولادتها هي..
عجز امرأة يضربها زوجها كلّ يوم عن الطّلاق لأنّ التّطليق بيد جلاّدها ومؤدّبها، أو عجزها عن شكواه إلى البوليس لأنّه يرشو أعوان البوليس، أو عجزها عن تقديم دعوى ضدّه لأنّها لا تملك أجر محامي الدّفاع، أو لا تملك مبلغ الخلع ...
هذه ليست تفجيرات 11 سبتمبر، ليست صيحات الجهاد الموجّهة نحو الأعداء المفترضين، بل هي تفجيرات صامتة من نوع آخر. إنّها ليست الإرهاب المعولم الذي يخلق الحدث الاستثنائيّ المغطّى إعلاميّا، بل هي عنف من نوع آخر، عنف إسلاميّ- إسلاميّ صرف. ليست الإيديولوجيا الجهاديّة التّكفيريّة التي من السّهل التّبرّؤ منها رغم كلّ شيء، بل هي شيء أليف، لم نعد نتحدّث عنه، ويجب أن لا ينسينا إيّاه "الإسلام المتطرّف" رغم أهمّيّته على السّاحة العالميّة وأهمّيّة مقاومته : إنّها النّصوص التي يقال لنا إنّها لا تقبل الاجتهاد. إنّها "الشّريعة" التي تقصف الأعمار والحيوات بمنأى عن وسائل الإعلام المتلهّفة لأحداث القتل والدّمار والمتغافلة عن القتل عندما يكون نظاميّا قانونيّا، والتّدمير عندما يكون هادئا بطيئا، والرّقابة عندما تمدّ مخالبها في صمت وتلتفّ كأصابع الأخطبوط بالحناجر والأقلام، والعبوديّة في عصر زالت فيه العبوديّة بمعناها الصّريح. إنّها بالأحرى "الشّريعة" في حال السّلم، عندما لا تكون جهادا ضدّ الأعداء الخارجيّين، بل ترتيبا داخليّا للبيت الإسلاميّ.
هذه الأجساد المرجومة والأيادي المبتورة والرّؤوس المقطوعة والنّفوس المكسورة ليست تقوّلات وافتراءات صليبيّة أو صهيونيّة على الإسلام. هي مشاهد يكفي أن نفتح أعيننا عليها لكي نراها. بعضها متاح في أفلام ووثائق منشورة على الأنترنيت، وبعضها ممّا يتاح لنا رؤيته في الحياة اليوميّة للنّاس البسطاء الذين لا صوت لهم فعلا، وبعضها نعيشه ويذكّرنا إيّاه حرمان التّونسيّات إلى اليوم من حقّهنّ في المساواة في الإرث، رغم ما كلّ تحقّق في هذا البلد من تحديث اجتماعيّ وقانونيّ.. كلّ هذه الأفعال تتمّ باسم الشّريعة الإسلاميّة، باسم الأحكام الفقهيّة والنّصوص "القطعيّة الدّلالة".
وبعد ذلك نرى المسلمين يتباكون لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وكأنّ الصّورة خيال لا يعكس صاحب الصّورة، ويتباكون لصعود موجة الإسلاموفوبيا، وكأنّ الإسلام كما نعيشه اليوم خال هو نفسه من الفوبيا، من فوبيا النّساء والضّعفاء والمختلفين في الدّين والرّأي... وبعد ذلك يتصايح الأوصياء على الإسلام من المعمّمين وغير المعمّمين، يتصايحون قافزين إلى الأمام، مردّدين بأنّ الإسلام دين المحبّة والتّسامح والمساواة والعقل، مطالبين كلّ من يتحدّث عن الإسلام بأن يكون مسلما مثلهم، وأن يشاطرهم آراءهم في الإسلام، وإلاّ فليعتذر، وإلاّ فالويل والثّبور...
ومع ذلك فإنّ المسلم يمكن أن يكون مسلما دون أن يعيش في كنف ما اصطلح عليه في العصر الحديث بالشّريعة، وما قرّر دعاة الإخوان المسلمين اعتباره "صالحا لكلّ زمان ومكان". ومع ذلك، فهناك أناس يصلّون ويؤمنون باللّه ورسله واليوم الآخر دون أن يطالبوا بإقامة الحدود، ودون أن يكونوا مهووسين بالحلال والحرام، ودون أن يعبدوا ما تشيّئه جماعات الإسلام السّياسيّ في شعارات "الإسلام دين ودولة" و"الإسلام هو الحلّ". يصلّون فيجدون السّكينة الرّوحيّة التي يحتاجون إليها، ولا يحتاجون إلى صلاة الآخرين من حولهم، لأنّهم ممتلؤون بإيمانهم. لا يحتاجون إلى إيجاد العكاكيز التي تجعلهم أكثر إيمانا. هؤلاء هم أهل الحقيقة لا الشّريعة. هؤلاء هم حفدة ابن عربيّ ولسان الدّين بن الخطيب، وهم القادرون وحدهم على الحديث عن المحبّة والتّسامح.
جفّت الأقلام بالمطالبة بتحرير المرأة المسلمة، منذ ما يزيد عن القرن، بحّت الأصوات المنادية بفتح آيات الاجتهاد، وترك العقوبات الجسديّة المهينة، وترك حكم الرّدّة، والاعتراف بمواطنة غير المسلمين من الأقلّيّات الدّينيّة. تعبنا من خطابات الإصلاح والتّرميم وحيل الفقهاء. ربّما وجب علينا أن نرفع شعارا جذريّا بنّاء نستردّ به الإسلام من أهل الشّريعة. وهذا الشّعار هو تحرير الإسلام نفسه من الشّريعة، تحريره من ترسانة الفقه القديم وهلوسات الفقهاء الجدد. الدّين ليس منظومة تشريعيّة، وليس نظاما سياسيّا، بل هو إيمان وعبادة ومبادئ روحانيّة. رافعو شعار الإسلام دين ودولة، غير قادرين على عيش الإسلام باعتباره دينا وتجربة باطنيّة، غير واثقين من إيمانهم ومبادئهم الرّوحيّة، فيسقطونه على الخارج ويحوّلونه إلى إيديولوجيا تبسط نفوذها على من حولهم.
كلّما كان الإيمان ضيّقا في الصّدور، تجنّد أهله لنشره بالتّكفير والمطالبة برجم الأجساد وقطع الأيدي والرّقاب والنّفوس. كلّما ازدادت حياتهم الباطنيّة فقرا، لاذوا بالمعوّذات المحسوسة الواضحة وعجّلوا بإيجاد كباش الفداء.
أنصار الشّريعة هم وثنة العصر الحديث. وأوثانهم ليست الصّور والتّماثيل، بل الأحكام والأقوال والنّصوص المجمّدة.



jeudi 23 février 2006

1
"الشّريعة-الفقه": صخرة سيزيف التي تسحق النّساء العربيّات

مقال كتبته سنة 2004، مساندة للنّساء العراقيّات، عندما قرّر مجلس الحكم العراقيّ إلغاء القوانين المدنيّة واعتماد قوانين مستمدة من الشريعة. فعلا : "تتغيّر الأنظمة ويحدث ما يحدث وتظلّ المرأة كبش الفداء الدّائم لألعاب السّياسيّين وتكتيكاتهم ولمهاترات مجانين الهويّة وعبيد الماضي."
 

في سنة 1929، أي منذ ما يزيد عن سبعين عاما كتبت الفتاة السّوريّة نظيرة زين الدّين، ولم تتلعثم : "إنّ الشّرائع السّماويّة لا تقيّدنا تقييدا ثابتا إلاّ في علاقاتنا مع خالقنا سبحانه وتعالى، ذلك في أصول الدّين والإيمان. وأمّا أمور دنيانا، وقواعد حياتنا، والمعاملات والعلاقات بيننا فهي تابعة بمقتضى تلكم الشّرائع لحكم العقل، ومتحوّلة بمقتضى المصلحة والزّمان". (الفتاة والشّيوخ)
وبعدها بقليل كتب التّونسيّ الطّاهر الحدّاد، خرّيج الجامعة الزّيتونيّة، ولم يتلعثم :  "لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرّجل عن المرأة في مواضع صريحة. وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعيّة بينهما عند توفّر أسبابها بتطوّر الزّمن ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة التّامّة وروح الحقّ الأعلى، وهو الدّين الذي يدين بسنّة التّدريج في تشريع أحكامه حسب الطّوق". (امرأتنا في الشّريعة والمجتمع)
يضيق المجال عن ذكر ما وقع ولم يقع خلال الأعوام السّبعين الماضية، وعن ذكر المدّ والجزر، مدّ الإصلاحات وجزر الدّعوات السّلفيّة المشيّئة للنّصوص المقدّسة والمتاجرة بالآخرة والرّافضة للعدالة وللتّاريخ، ولكنّ الخبر الذي وصلنا مؤخّرا عن قرار مجلس الحكم الانتقاليّ العراقيّ بتطبيق الشّريعة الإسلاميّة في مجال الأحوال الشّخصيّة بليغ في التّعبير عن مآل المرأة العربيّة في سنة 2004 : تتغيّر الأنظمة ويحدث ما يحدث وتظلّ المرأة كبش الفداء الدّائم لألعاب السّياسيّين وتكتيكاتهم ولمهاترات مجانين الهويّة وعبيد الماضي.
يجب أوّلا أن نفضح المغالطة المكشوفة في استعمال كلمة "الشّريعة". فالشّريعة لغة واصطلاحا ليست مجموعة أحكام قانونيّة مضبوطة بل هي "طريق" المؤمن، إنّها مجموعة من المبادئ الأخلاقيّة العامّة والتّوجيهات التّربويّة التي لا نظنّها تتناقض مع مطلب المساواة التّامّة بين النّساء والرّجال : الشّريعة التي ينساها الشّيوخ الذين نصّبوا أنفسهم سدنة على الإسلام هي  حُرمة النّفس البشريّة، والإحسان والرّحمة وعدم قهر اليتيم والرّفق بالمسكين وترك الكذب والنّميمة وترك الاستكبار وعدم حبّ المال حبّا جمّا... أمّا الشّريعة التي يريدونها فهي أحكام الفقه القديم وقد تمّ تأبيدها وتمّ ابتناء أسطورة صلوحيّتها " لكلّ زمان ومكان".
الفقه منظومة بشريّة صنعها الفقهاء انطلاقا من بضعة آيات في الأحكام ليست إلاّ جزءا ضئيلا من القرآن، وهذه المنظومة رغم كلّ الاختلافات بين المذاهب والآراء، كلّ منسجم قائم على مراتبيّة اجتماعيّة واضحة، أعلاها الرّجل الحرّ تليه المرأة الحرّة يليها العبد الذّكر، تليه الأمة والصّبيّ والمجنون...، وكلّ الأحكام والضّوابط فيها تراعي هذه المراتبيّة. فهي تنبني على  اشتراط الذّكورة في كلّ المسؤوليّات العامّة وفي الاجتهاد والإفتاء، وتنبني على مبدإ القوامة، أي رئاسة الرّجل، كما تنبني على أفضليّة المسلم على غير المسلم الذي يشاركه رقعة الأرض.
 فهل يمكن أن يكون الفقه، وهو منظومة قائمة على التّمييز، منطلقا لبناء المواطنة والمساواة بين الرّجال والنّساء، وبين المسلم وغير المسلم في ظلّ دولة حديثة؟
 الفقه جعل المرأة تحت وصاية الأب والزّوج ومنعها من الطّلاق متى أرادت، وفرض عليها  تعدّد الزّوجات، وقنّن مراقبة جسدها وخروجها وعلاقاتها، وقنّن عدم المساواة بينها وبين الرّجل في الميراث والشّهادة، ونفى أهليّتها لتولّي الأمور، وغير ذلك ممّا يتمسّك به فقهاء هذا العصر ويتفاوتون في مدى إخفاء قساوته الحاضرة، وفي مدى تجميله تحت الشّعارات الببّغاويّة : الشّريعة  كرّمت المرأة، الشّريعة أقرّت المساواة... فهل يمكن أن يكون الفقه ضمانا لحياة كريمة للنّساء في عصرنا؟
ولا بدّ ثانيا من فضح النّفاق والازدواج القانونيّ الانفصاميّ التي تسير عليه سائر تشريعاتنا ونظمنا وإن بتفاوت كبير بين البلدان : ويتمثّل ذلك في اللّجوء إلى القرآن والسّنّة كلّما تعلّق الأمر بالتّشريع في مجال الأحوال الشّخصيّة من جهة، والتّجاهل شبه التّامّ لهذه المصادر الدّينيّة كلّما تعلّق الأمر بالتّشريع في مجال القانون المدنيّ أوالقانون الجنائيّ، أو غير ذلك من فروع القانون. فما يسمّى اليوم بـ "الشّريعة" هو إجمالا قانون الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّ، أي : آخر حصن يضمن استمرار الصّيغ العلائقيّة التّقليديّة بين الرّجال والنّساء، وبعبارة أخرى : يضمن الحطّ من شأن المرأة ومراقبة أفعالها وجسدها وتأثيمها على نحو هوسيّ.
لقد تمّ إبطال الرّقّ واختفت الوضعيّة القانونيّة للعبد والأمة دون ضجّة تذكر، واختفت الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بالقانون الجنائيّ في أغلب البلدان العربيّة رغم تقنين القرآن لها في "آيات صريحة"، وأبطل العمل بمنع الرّبا رغم "الآيات الصّريحة"... أمّا وضعيّة المرأة فمازالت مرهونة بـ"الآيات الصّريحة" وبآراء الفقهاء...
تقول الأسطورة اليونانيّة إنّ الآلهة حكمت على نصف الآلهة سيزيف برفع صخرة صمّاء إلى أعلى قمّة جبل، وتقول إنّ هذه الصّخرة تتدحرج في كلّ مرّة فيعود سيزيف إلى رفعها وهكذا... والشّريعة الفقه هي الصّخرة التي حكم على النّساء العربيّات برفعها إلى أعلى الجبل، حتّى تتدحرج من جديد وتوشك على سحقهنّ فيعدن إلى رفعها.  فكلّ ما تحقّق من مكاسب في بعض البلدان العربيّة هي عرضة إلى السّقوط والتّراجع.
أذكر أنّ الدّعوات الأصوليّة ارتفعت في تونس في آخر الثّمانينات مطالبة بمراجعة مجلّة الأحوال الشّخصيّة، مطالبة بالتّراجع عن منع تعدّّد الزّوجات وبتطبيق "الشّريعة"، وأذكر أنّنا خرجنا إلى الشّوارع لنطالب بالحفاظ على ما تحقّق من مكاسب المساواة، كما خرجت نساء العراق اليوم، ولكنّنا ما زلنا نطالب بالمساواة التّامّة لأنّها لم تتحقّق بعد، وما زلنا نطالب برفع التّحفّظات عن اتّفاقيّة "مناهضة جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة"، وما زال يطلّ علينا شيوخ الإفتاء والأدعياء ليقولوا من أعلى منابر الفضائيّات العربيّة إنّهم يودّون فتح تونس من جديد لأنّها كافرة بقوانينها في ما تعلّق بالمرأة. ما يجمع كلّ النّساء العربيّات ويوحّد قضيّتهنّ وما يجعلني أسارع لكتابة هذا المقال ولمساندة العراقيّات اليوم هو هذه الصّخرة التي ندفعها جميعا فتطلّ علينا من جديد.
إنّ في تحويل ما هو ظرفيّ تاريخيّ إلى أحكام مؤبّدة تقضي على المرأة بالبقاء في أسر القوّامين عليها، وتقضي على الشّعوب بعدم الارتقاء إلى درجة المواطنة، عنفا هو عنف  مقاومة تيّار التّاريخ، وعنف الرّضوخ إلى الجنون الدّينيّ الذي تنظّمه وتنشره المنابر العربيّة بفظاعة لم يسبق لها مثيل.
وفيه عنف آخر هو عنف الغبن: والغبن هو أن يمنع صاحب الحقّ الذي هو أهل له ممّا هو أهل له، فالنّساء العراقيّات والعربيّات عموما أصبحن أهلا لوضعيّة أفضل من الوضعيّة الدّونيّة التي تسجنها فيها الشّريعة-الفقه.
وفيه عنف آخر خاصّ بالعراقيّات هو عنف العودة إلى الحضيض السّياسيّ بعد بوادر الخروج منه، وكأنّ كابوس النّظام الدّمويّ السّابق انقشع ليظهر كابوس امتهان المرأة باسم الشّريعة وكابوس الطّائفيّة واللاّمواطنة.
أين "رموز الثّقافة العربيّة" من قضايا المرأة؟ لماذا لا يستغلّون ثقل أسمائهم وسطوع نجومهم لنصرة النّساء في العراق؟ لماذا لا يسارعون إلى اتّخاذ المواقف المدينة للإرهاب الدّينيّ مثلما يسارعون إلى تقبّل الجوائز وقبول الدّعوات والتّشريفات؟
لا أتحدّث عن أشباه المثقّفين وأشباه المناضلين وأشباه الحقوقيّين والأميّيّن السّياسيّين على أيّة حال، ممّن كوّنوا خارج العراق لجان دفاع عن الطّاغية صدّام حسين ولم يكوّنوا لجان تحقيق عن جرائمه ضدّ الإنسانيّة ولم يكوّنوا لجان دفاع عن ضحاياه الذين يرقدون رجالا ونساء في المقابر الجماعيّة، وعن ضحاياه من المعذّبين ومن الذين فنيت أعمارهم في الزّنزانات ومن الذين شرّدوا والذين صودروا أو شوّهوا أو أعيقوا والذين ذوت زهرة شبابهم في خوض حروب استعراضيّة لم يريدوها ولم يستشاروا فيها؟ هؤلاء العبيد المدافعون عن جلاّديهم أعرفهم : إنّهم الآن ينتصرون لحجاب المرأة واستعبادها، لأنّ مرض الهويّة يجعلهم لا يرقون إلى مستوى المطالبة بالمساواة بين الرّجال والنّساء، ويجعلهم يتّخذون من حجاب المرأة راية للأمّة الموحّدة المستحيلة التي يحلمون بها.
أين المثقّفون العرب الذين يقولون دون تلعثم ودون خوف من التّكفير وخوف من تضييع الجوائز السّنيّة التي يحلمون بها: أوقفوا مأساة تطبيق الفقه على النّساء العراقيّات وكلّ العربيّات؟
الذين يرفضون الاستعمار الأمريكيّ ولا يرضون بما يجري في العراق، لماذا لا يرفضون أيضا استعمار أشباح الماضي، واستعمار أعداء الحرّيّة وفقهاء الظّلام؟ 

 
jeudi 5 mai 2005

0
عن الدّعاة الجدد و منهم عمرو خالد


الدّعاة الجدد :

من التّحريض إلى التّنويم
 
 
"الدّعاء سلاح خطير لمن يدرك قيمته" هو أحد الشّعارات التي يرفعها الدّاعية "الأستاذ عمرو خالد" في الصّفحة الأولى من موقعه على الأنترنيت، وهو ذو دلالة هامّة على الأفق الذي يتحرّك فيه هذا الدّاعيةألنّجم وغيره من الدّعاة الجدد أمثال خالد الجنديّ. فالمفترض الذي نقرأه من خلال هذا الشّعار هو أنّ السّلاح الذي يرفعه هؤلاء غير السّلاح الذي رفعه أنصار الإسلام السّياسيّ الجهاديّ أو التّكفيريّ : إنّه سلاح من ترك حمل السّلاح، في ظرفيّة تتّسم رغم كلّ شيء بتضاؤل دور الإسلام السّياسيّ لا سيّما بعد تفجيرات 11 سبتمبر وبعد التّفجيرات التي طالت المدن العربيّة ولم يكن بإمكان الجماهير العريضة التّعاطف معها.


هؤلاء الدّعاة الجدد يركّزون على العبادات وعلى التّقوى أكثر من تركيزهم على الشّأن العامّ، ويبتعدون عن الدّعوة إلى التّغيير السّياسيّ ويتجنّبون إثارة القضايا المحرجة وهو ما يفسّر الحظوة التي يلقونها لدى بعض أصحاب السّلطة في العالم العربيّ. وليس الـ"نيو لوك" لهؤلاء بمعزل عن توجّههم اللاّسياسيّ الوعظيّ : وجوه هؤلاء الدّعاة الباسمة وكلماتهم الرّقيقة وأناقتهم الشّبابيّة وتحلّلهم من العمامات والطّرابيش من أمارات اختلافهم أو رغبتهم في الاختلاف عمّن يمثّلون الإسلام الجهاديّ والتّكفيريّ.

إنّهم يدّعون اليسر بدل العسر ويتكلّمون لغة المحبّة، وتختلف فتاواهم أحيانا عن فتاوى الشّيوخ الرّسميّين، وأبرز مثال على ذلك أنّ خالد الجنديّ اعتبر التّبرّع بالأعضاء واجبا واستدلّ على ذلك بآيات قرآنيّة غير الآيات التي استدلّ بها المفتي المصريّ الرّسميّ مؤخّرا لتحريم التّبرّع بالأعضاء ونقلها.
هذا جانب أوّل قد يبدو لنا إيجابيّا، ولكنّ هذا الإيجابيّ لا يعدو أن يكون جزأ من واقعنا الثّقافيّ والسّياسيّ البائس.
فليس من الغلوّ أن نتحدّث أوّلا عن "بيزنس دينيّ" يتحرّك في إطاره هؤلاء الدّعاة الذين يحصّلون ثروات طائلة من دعوتهم، ومن تحوّلهم إلى نجوم تلفزيّين ينافسون نجوم كرة القدم والفيديو كليب. وعلى المختصّين في سوسيولوجيا الثّقافة أن ينكبّوا على دراسة الظّاهرة من النّاحية الاقتصاديّة والطّبقيّة والسّياسيّة دراسة ترتفع عن الشّتيمة والنّزعة الفضائحيّة التي يركن إليها بعض الكتّاب المناصرين للإسلام السّياسيّ في فضحهم لهؤلاء الدّعاة. ومن المفيد أيضا تسليط وجهة نظر الأنتروبولوجيا الدّينيّة على هذه الظّاهرة، وعلى أهمّيّة الدّعاء في مواقع الأنترنيت الخاصّة بهؤلاء الوعّاظ : الدّعاء لا باعتباره سلاحا فحسب، بل باعتباره منطلقا لمبادلات بين المعجبين والوعّاظ : طلب الدّعاء من أجل شفاء شخص، التّسليم بقدرة سحريّة لهؤلاء الوعّاظ، اضطلاعهم ربّما بوظيفة الأولياء الصّالحين على نحو جديد...
ثمّ إنّ هذه الظّاهرة تزدهر على أرضيّة من الفقر المعرفيّ والجهل بالمعارف الإنسانيّة الحديثة، بحيث أنّ معادلة ساذجة من قبيل المعادلة شبه الرّياضيّة التي طلع بها عمرو خالد على مريديه مؤخّرا : "إرادة+ إخلاص+دعاء+تخطيط سليم=نجاح أكيد" يستقبلها هؤلاء المريدون وكأنّها حلّ سحريّ لمشاكل العالم، والحال أنّها تدلّ على تسطيح للذّات البشريّة وتجنّب لطرح المشاكل الحقيقيّة. هل الإنسان يعرف كلّ ما يريد؟ هل قرأ الدّاعية شيئا ممّا كتب عن فلسفة الإرادة، وشيئا ممّا كتب عن ذات الرّغبة وذات اللاّوعي؟ هل يكفي ما ذكر لتحقيق النّجاح؟
jeudi 29 janvier 2004

0
مقال كتبته سنة 2002 عن المصادرة باسم الدّين وطابعها الوسواسيّ




جنون مصادرة الأدب

النّصوص التي تصادر كلّ يوم، والكتّاب الذين تكمّم أفواههم والذين يلاحقون ويشرّدون وتهدر دماؤهم... مسائل كثيرا ما تقع خارج اهتمام المنشغلين بالأدب، وكثيرا ما تقع خارج اهتمام النّاشطين في حقوق الإنسان لكثرة مشاغلهم في عالمنا، واضطرارهم في الغالب إلى الدّفاع عن وجودهم وبقائهم وبقاء منظّماتهم الهشّة. ولنتساءل : كم ديوانا شعريّا ستطوله قبضة الرّقابة إضافة إلى ديوان أبي نواس الذي لم يكن للبيع بل لمجرّد العرض في معرض الكتاب الأخير بالقاهرة؟ ألم يعد الشّعر "ديوان العرب"؟ ماذا بقي للعرب إذا أمعنوا في امتهان أنفسهم وأعدموا ما كان مفخرتهم القديمة؟ أيّ أمّة يمكن أن تقاوم آلة العولمة المنمّطة وهي تقتل ذاكرتها وتحاصر مبدعيها؟ كم كتابا يقبع في مخازن المطابع الموصدة المحروسة بشتّى المدن العربيّة؟ كم كتابا يطبع بـ"المهجر"، ولا يجد طريقه إلى الأقطار العربيّة؟ كم مبدعا طعن بخنجر أو طعن بغير خنجر إضافة إلى نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1988، المطعون سنة 1994؟ من يستطيع الإتيان على قائمة الكتّاب والإعلاميّين الجزائريّين الذين ابتدأت مجزرتهم الرّهيبة منذ 1993؟ ولماذا لا نذكرهم في مؤتمراتنا ولا نحيي ذكراهم على الصّعيد العربيّ كما نحيي ذكرى غيرهم؟ كم مبدعا امّحى من الوجود، فلا يعرف هل هو من الأموات أم من الأحياء في أقطار يقع فيها تنظيم إبادة المبدعين وتنظيم الصّمت حولهم؟ كم امرأة تجرّأت على الخروج من سجن البيت والخمار إلى عالم الشّعر الفسيح فحوكمت بتهمة المسّ بالأخلاق وبالدّين، أو لعنها خطباء المساجد؟ كم كتابا أدانته مؤسّسة الأزهر بتهمة المسّ بالإسلام إضافة إلى رواية "وليمة لأعشاب البحر"؟ كم كتابا أوقفت طباعته في مصر إثر الحملة التي استهدفت هذه الرّواية؟ كم شاعرا قطع رأسه بتهمة الكفر والرّدّة كما قطع رأس السّعوديّ صادق الملالح يوم 3/9/ 1992 في مدينة القطيف؟ من لنا بما قاله هذا الشّاعر من شعر؟ بأيّ كلام نطق، أيّ شوق هزّه قبل أن يهوي عليه سيف الجلاّد؟ من يذكره ويتذكّره، أيّ المؤسّسات الرّاعية للأدب تجرؤ على هذا؟ من يستطيع حصر الكتب الممنوعة في المملكة العربيّة السّعوديّة التي كان ترابها مهدا للأدب العربيّ في عصور ألقه الأولى؟ جرّبت هذا التّمرين المضني، فبدا لي من الأولى والأرجح أن أحصي عدد الكتب الإبداعيّة المسموح بها لا الممنوعة. وكم تساءلت : ألم يكن عمر بن أبي ربيعة يلهو بين مكّة والمدينة ومنتزه العقيق ويخاطب النّساء وينطقهنّ في شعره؟ ألم يكن ابن أبي عتيق، حفيد أبي بكر مولعا بالغزل، منتصرا للعشق وللعشّاق؟ ألم يكن بيت سكينة بنت الحسين يغصّ بالشّعراء والمغنّين؟ ألم يقل لنا الإمام مالك إنّه أوشك أن يكون مغنّيا ومنعه من ذلك قبح وجهه؟ هل كان كلّ هؤلاء كفرة ومرتدّين؟ أم أنّ نجدا بصباها وحمامها السّاجع "في رونق الضّحى"، لم تعد نجدا، والحجاز بلهوها وغزلها لم تعد الحجاز؟
لا أقدّم هذه الأسئلة والأمثلة للتّشهير ولا للإشهار، بل مواصلة لجهود المثقّفين الذين تصدّوا للرّقابة والمصادرة على أعمدة "القدس العربيّ" و"أخبار الأدب" وبعض الصّحف القليلة الأخرى، ومساهمة في تشخيص هذا الدّاء، داء الرّقابة على الأدب ومصادرته وقد أصبحت مجنونة تجرّم المبدعين وتمتدّ إلى الماضي والحاضر سيّان. لعلّ أوّل علامة على هذا الجنون تعود إلى سنة 1985، عندما لم تكتف يد "الرّقابة" في مصر بمحو صفحات من كتاب ألف ليلة وليلة، بل أدانته بتهمة المسّ بالأخلاق وإفساد الشّبيبة، وصادرت ثلاثة آلاف نسخة منه، وأحرقته في مشهد جدير فعلا بمحاكم التّفتيش القروسطيّة، وأدّت إلى سجن النّاشر والطّابع. ما ظننّا أنّه ألقي في سلّة مهملات التّاريخ يعود : حملات التّكفير والتّطهير الدّينيّ، ومطاردة كبش الفداء الذي تصبّ عليه المجموعة كلّ غضبها الحاضر والماضي، وإحراق الكتب في السّاحات العموميّة، عندما تضيق السّاحات العموميّة عن أفعال عموميّة من نوع آخر.

لا شكّ أنّ الإطلاق في العنوان (مصادرة الأدب) والاستعارات المشخّصة لها (الجنون، القبضة...) لا يمكن أن يحجبا عنّا تعدّد واقع المصادرة والرّقابة والإبداع. فالإبداع مستمرّ رغم كلّ شيء والنّصوص الجيّدة تجد طريقها إلى القارئ الذي يطلبها ويشتهيها لا سيّما إذا صودرت واكتست "جاذبيّة الثّمرة الممنوعة" كما يقول الفرنسيّون. ولا يخفى كذلك أمر التّفاوت بين مختلف الأقطار العربيّة في هذا المجال، فهيئات الرّقابة ليست نفسها في مختلف الأقطار العربيّة، وما يمنع في بلد قد لا يمنع في الآخر، بل قد يجد طريقه إلى النّشر وقد يدرّس في المعاهد والجامعات، واهتمامات الرّقابة قد لا تكون منصبّة على الأدب بل على الصّحافة، في أقطار يحظى فيها الأدب بغفلة الرّقيب، وتقع الصّحافة السّياسيّة والمنشورات الأخرى تحت عينه الفاحصة، بل وتقع الأنترنيت نفسها والبريد الألكترونيّ تحت قبضته التي لا تقلّ جنونا وهوسا عن قبضة الرّقيب على الأدب. إلاّ أنّ دور المثقّف العربيّ هو مقاومة عنفها أينما كانت بدل التّعلّل بعدم خلوّ المجتمعات الغربيّة من الرّقابة والمصادرة أو بأنّ البقاء للأصلح، أو بأنّ الأديب ليس في حاجة إلى افتعال الصّدام مع يسمّى بـ"المسلّمات والثّوابت" الدّينيّة والأخلاقيّة أو غير ذلك من الحجج التي لا تبرّر إلاّ الخذلان. لا نتحدّث طبعا عمّن يحمل القلم للدّفاع عن منع الكتب، أو لإيجاد الأعذار له، فمفهوم "المثقّف" لا أراه ينطبق عليه. أكتفي بذكر العوامل التي تجعل اهتمام جميع المثقّفين بالرّقابة والمصادرة ضروريّا ومستمرّا :
1/ المصادرة ذات طبيعة توسّعيّة، فالمبهمات التي تستند إليها هيئات المصادرة كـ"الثّوابت" و"المقدّسات" و"الحياء العامّ" و"الأخلاق" و"النّظام العامّ"... يمكن أن يحشر فيها كلّ قول وكلّ فعل. إنّها أخطبوط يمكن أن يمدّ أصابعه إلى كامل الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، ولست أدري ما كان يمكن للمصادرة أن تكون لو لم يتصدّ إليها الكثير من المثقّفين العرب فرديّا وجماعيّا. هذه المقاومة، رغم ما عليها من مآخذ سنبيّنها في بحث لاحق هي التي أدّت مثلا إلى إلغاء حقّ الأفراد في إقامة دعوى الحسبة في مصر، ممّا جعل محاولة تطليق نوال السّعداوي من زوجها تبوء أخيرا بالفشل، وهي التي رفعت الحجر عن الكثير من الكتب المحجوزة في أقطار عربيّة أخرى.
2/ إنّها أصبحت دمويّة لاستنادها في الكثير من الأقطار العربيّة إلى حكم الرّدّة، المؤدّي إلى التّكفير والقتل أو الدّعوة إلى القتل، والمؤدّي إلى حملات إدانة جنونيّة لا تنتهي. فكلّ أدب أو كلّ كلام في الدّين يمكن أن يوجد من يكفّر صاحبه ويدعو إلى قتله. أليس من سخرية القدر أنّ الذي اتّهم نصر حامد أبو زيد بالرّدّة وطالب بتطليقه من زوجته هو نفسه وجد من يتّهمه بالرّدّة؟ إنّ مبدأ "عدم الإكراه في الدّين" واضح في بعض آيات النّصّ القرآنيّ، وهو يبطل الحكم بقتل المرتدّ، ويفتح المجال لممارسة حقّ من حقوق الإنسان هو حرّيّة المعتقد. وهو يجعل عقاب من يبدّل دينه حكما أخرويّا يخصّ علاقة الإنسان بربّه، ولا يستوجب تدخّل السّلطات أو الأفراد لحماية الإسلام ممّن خرج منه. هذا ما بيّنّه ودعا إليه مصلحون دينيّون مثل التّونسيّ محمّد الطّالبيّ والمصريّ جمال البنّا، ولكنّ هذه الأصوات التي نحتاج إليها اليوم تبقى غير فاعلة في غياب القرار السّياسي بدعم حرّيّة المعتقد، وفي وضع إعلاميّ يتّسم بتهميش وسائل الإعلام الأكثر انتشارا لأصوات هؤلاء المصلحين والمفكّرين. فالفضائيّات العربيّة مثلا لا تكاد تتّسع إلاّ لأشباه الفقهاء، ممّن يدّعون امتلاك الحقائق الصّالحة لكلّ زمان ومكان، ويسارعون إلى الضّغط على الأزرار لإخراج الحلول والآراء الجازمة دون أدنى تردّد أو حيرة.
3/ إن لم ينجرّ عن المصادرة قتل وإبادة، انجرّ عنها ألم نفسيّ تعيشه الذّات المبدعة، وكثيرا ما نغفل عنه في غمرة التّنظير والعقلنة. هو ألم الإحباط التّامّ والإجهاض. الشّعور بالاختناق كثيرا ما يكون ترجمة جسديّة للرّقابة من منظور الذّات المصادرة، واسألوا المعنيّين بالأمر من أهل النّفوس الحيّة فسيجيبون.
4/كثيرا ما تستبطن المصادرة فتولّد مناخا من الرّقابة الذّاتيّة. هذا المناخ هو الذي تتضخّم فيه اللّغة الخشبيّة العقيمة التي لا تقول شيئا، ويصاب فيه المتكلّمون والخطباء بالتّلعثم، ولا تنجرّ عنه سوى الاحتفاليّات الورديّة والاستمناء الذّاتيّ الجماعيّ الذي نشهده في الكثير من عكّاظيّاتنا ومنتدياتنا.
5/ هي مؤشّر هامّ على ما تشترك فيه المجتمعات العربيّة رغم التّفاوت فيما بينها ورغم علامات الصّحّة الوهميّة أو الحقيقيّة في بعضها : البؤس السّياسيّ المزمن واللّجوء إلى الحلول الأمنيّة العاجلة عوض دعم برامج التّثقيف والتّربية على قيم التّحرّر والتّسامح، وتغليب الحسابات الضيّقة على مقتضيات الوقوف إلى جانب المبدعين والمثقّفين، وهشاشة المكتسبات المتعلّقة بالحرّيّات الفرديّة إن وجدت، وسيطرة ثقافة التّمجيد والدّعاية السّياسيّة على ثقافة الحوار والنّقد، وإلجام المدافعين عن القيم المدنيّة والسّياسيّة، وهيمنة أنماط التّفكير والعيش التّقليديّة الأبويّة، وهي الأساس الذي تعود إليه أزمة الدّيمقراطيّة والتّعدّديّة في العالم العربيّ.
ولا شكّ أنّ وضعيّة الرّقابة على الأدب هي جزء من كلّ هو بؤس القوانين المنظّمة لحرّيّة التّفكير والتّعبير في العالم العربيّ رغم التّفاوت في درجات البؤس. فمعلوم أنّ القوانين المتّصلة بالحقّ في التّعبير مخالفة للدّساتير التي تنصّ على هذا الحقّ وللاتّفاقيّات الدّوليّة التي صادقت عليها البلدان العربيّة بتحفّظ متضخّم يؤدّي إلى إلغائها، أو بإنشاء ترسانة القوانين القطريّة التي تقيّدها إلى حدّ الإلغاء، وإلى حدّ تجريم النّقد والتّفكير الحرّ. إنّها رقابة وقائيّة في الغالب، بما أنّ هذه القوانين تفرض تأشيرة مسبّقة على كلّ المنشورات في أغلب الأقطار، أو تفرض إعلاما هو نفسه قد يؤول إلى تأشيرة عند التّطبيق. وفي بعض الأقطار العربيّة تضاف إلى قيد التّرخيص المسبّق قيود أخرى كاشتراط تأمين ماليّ أو فرض رأس مال مرتفع بالنّسبة إلى الخواصّ أو فرض الأمرين معا. ثمّ إنّ الغالب على هذه الرّقابة أنّها إداريّة لا قضائيّة، فهي ليست سوى مظهر من مظاهر سيطرة السّلطة التّنفيذيّة وتقلّص دور المجتمع المدنيّ على افتراض وجود سلطات مختلفة ووجود مجتمع مدنيّ حقيقيّ. هذه الرّقابة الإداريّة يكتنفها الغموض والاعتباط، وتتوقّف قراراتها في الغالب على مزاج بعض الإداريّين المبادرين إلى المنع درءا لكلّ شرّ أو المتحمّسين له التذاذا بتعذيب القادرين على الكتابة لكي يدفعوا ثمن الإبداع وبقاء الذّكر. وفي مصر تتعدّد هيئات الرّقابة والمصادرة، فتصدر عن جهات أخرى مثل مؤسّسة الأزهر الدّينيّة، وجمعيّة جبهة علماء الأزهر، ومجموعات ضغط أخرى مثل الأحزاب والصّحف... بل تفيد بعض الصّحف أنّ عمّال المطابع الحكوميّة أنفسهم يتدخّلون لحذف الصّفحات والصّور. وقد تنبع الرّقابة من الأفراد المحامين الذين كانوا إلى عهد قريب يقيمون دعوات الحسبة، وهو ما أدّى إلى فضيحة الحكم بتطليق نصر حامد أبو زيد من زوجته. الكلّ يراقب، والكلّ ينصّب نفسه خازنا لأشياء "ثابتة" و"مقدّسة" ولكنّها قابلة للانكسار، أو قابلة للسّرقة.
هذا العامّ ينبغي أن لا يحجب عنّا الخاصّ الذي هو الأدب، ومن هنا فرضيّة الجنون والاختلال التي سنحاول توضيحها. فالعرب القدامى لم يكونوا يصادرون شعر الخمرة والخلاعة والمجون ولا يدعون إلى حرق كتاب ألف ليلة وليلة ولا مقامات المكدّين السّاخرين من كلّ الشّرائع، ولا أبيات ابن هانئ الأندلسيّ التي يؤلّه فيها ممدوحه، ولا أبيات المعرّى المتشكّكة السّاخرة... كان النّقّاد يشيرون إلى عيوب الشّعر التي منها إشراك المخلوق بصفات الخالق، وكانوا يبدون امتعاضهم من الأسمار والحكايات التي يولع بها عامّة النّاس ، فيصفونها بالبرودة والرّكاكة، ولكنّهم لم يكونوا يكفّرون ولا يدعون إلى حرق الكتب. طبعا لم يكن الماضي فردوس الحرّيّة المفقود، وخاصّة بعد القرن الرّابع، عندما بدأت عناصر الانغلاق المذهبيّ والفكريّ تترسّخ، ولكنّ المصادرة والإدانة كانت تتجه أساسا إلى المفكّرين والفلاسفة وأصحاب المذاهب، ولم تكن تتّجه إلى الأدب بصناعتيه القديمتين، أي بشعره ونثره. لا يعود هذا إلى أنّ الرّقابة النّظاميّة على الكتب ظاهرة حديثة تساوقت مع الطّباعة فحسب، بل يعود هذا إلى أنّ القدامى توفّروا، في رأينا، على حدّ أدنى من التّوازن النّفسيّ والعقليّ الذي جعلهم لا يخلطون بين مختلف الحقول الثّقافيّة المؤسّسة للثّقافة، ولا يصابون بالخوف المهووس من ضياع الدّين. أكتفي بذكر بعض المظاهر من هذا التّوازن وهذه القدرة على ترك الخوف :
-لقد فصلوا عموما بين الشّعر والدّين، فأعلن قدامة بن جعفر بكلّ وضوح أنّ "الشّعر بمعزل عن الدّين". وأدركوا أنّ الأدب لا يتغذّى من الخير، أي من الدّين والأخلاق، بل يتغذّى من مناطق معتمة في الذّات البشريّة، ويتغذّى من خرق القانون أو الوقوف على شفا الخرق. لا أدلّ على ذلك من قول الأصمعي، وهو راوية أشعار وأخبار : "الشّعر نكد بابه الشّرّ، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسّان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام سقط شعره."
- لقد وعوا بضرورة الهزل لكي يمكن الجدّ أو لكي يستقيم، وهذه الثّنائيّة أساسيّة في فكر الجاحظ وفي تصوّر الأدب عموما. فاللّهو والبطالة والمجون أمور ضروريّة لتوازن الذّّات البشريّة، بل إنّها بعد ضروريّ من الأبعاد المعرّفة بها. فالإنسان هو النّاطق والمائت وذو اليد وذو الفكر، ولكنّه إضافة إلى ذلك اللاّهي، البطّال، الملتذّ بالخروج أحيانا من دوائر الجدّ والدّين جزء منها.
-فهموا الحياة نفسها على أنّها تأرجح بين الضّلال والرّشاد، بحيث أنّ الحركة التي تؤدّي إلى الضّلال هي نفسها شروع في العودة والإنابة، فلا يمكن الرّشاد دون ضلال.
-ميّزوا بين الأحكام الدّنيويّة والأحكام الأخرويّة، فهناك أمور يحاكم عليها المسلم فيما بينه وبين ربّه ولا يجوز أن تتدخّل بشأنها سلطة أخرى لإنزال العقوبات.
هذه القدرة على التّمييز هي التي اختلّت لدى معاصرينا من المتديّنين أو ممّن يسوسون المقدّس. وممّا يرتبط بهذا الاختلال، وربّما يفسّره، الشّعور بالتّحدّيات التي تواجهها الأديان في العصر الحديث. ولكنّ هذا الشّعور عوض أن يولّد تفكيرا في ممكنات تطوير المنظومات والمؤسّسات الدّينيّة استجابة لهذه التّحدّيات، ولّد ردّة فعل مرضيّة تنبني على الخوف والهوس، والهروب إلى الوراء، بحيث أصبح المتديّن يرى في مجرّد رواية أو مجرّد بيت شعر خطرا يمكن أن يعرّض عقائد مئات الملايين إلى الاضمحلال. ولعلّ أبرز دليل على ردّة الفعل هذه نجده في ما أصبح يتردّد من حديث عن إهانة الإسلام، بل ومن حديث عن إهانة الذّات الإلهيّة. يقول الخبيران الأزهريّان اللّذان كتبا تقرير إدانة "وليمة لأعشاب البحر" إنّ هذه الرّواية "مليئة بالألفاظ والعبارات التي تحتقر وتهين جميع المقدّسات الدّينيّة، بما في ذلك ذات اللّه سبحانه وتعالى، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، والقرآن الكريم واليوم الآخر، والقيم الدّينيّة." (القدس العربيّ، 18/5/00) فكيف يمكن للذّات الإلهيّة التي أبى القدامى وصفها بصفات البشر، وأبوا إخضاعها إلى مقولات النّسبيّة، كيف يمكن أن تهان كما يهان إنسان محدود مظروف فان؟ من الذين يُهين الذّات الإلهيّة في الحقيقة : الرّوائيّ أم مصادروه الذين يشيّئون اللّه وينسّبونه، ويخافون عليه من ظلم المخلوقين؟
وأخيرا، لا أرى سبيلا إلى مواجهة جنون المصادرة إلاّّ بتطوير التّشريعات الضّامنة للحقّ في التّعبير والنّقد، والضّامنة لحرّيّة المعتقد في الوقت نفسه. ولا يكون هذا ممكنا إلاّ إذا توفّر القرار السّياسيّ بتطوير هذه التّشريعات وبتغليب التّربية والتّثقيف على الإجراءات الأمنيّة. ولا بدّ أن يتساوق هذا التطوير مع إصلاح دينيّ عميق يعيد تنظيم دوائر القانون والدّين والأخلاق، ويوضّح ما لا يمكن أن يجرّمه القانون في عصرنا هذا، ويؤدّي إلى إبطال حكم الرّدّة الذي ظلّ سيفا مسلّطا على كلّ من جهر برأي أو استسلم إلى حلم. أمّا المدافعون عن الأدب والإبداع عامّة فإنّ دورهم ليس بالهيّن، لأنّ الإبداع هو الثّانويّ الخطير الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ويمكن أن ينبع منه كلّ توق إلى الحرّيّة. عليهم أن يتركوا التّعليلات الواهية ليدافعوا عن حرّيّة التّعبير بلا قيد أو شرط سوى الدّعوة إلى قتل الآخرين، ولكنّ عليهم أيضا أن يعلنوا الحقّ في اللّهو والسّخرية والضّلال. دعني أضلّ، لي الحقّ في أن أضلّ لكي أعود بأدراجي إلى الحقّ، أو عسى أن أعود إلى حقّ ما. دعني أحِدْ عن الهدى لكي تمكن لي التّوبة. ثمّ أيّ هدى يمكن أن أتّبع؟ أيّ سلطة يحقّ لها اليوم أن تسطّر طريق الهدى في كلّ ما هو ذاتيّ كلّ الذّاتيّة، وفي كلّ ما هو لهو ومتعة خياليّة؟
 
Dr Raja Ben Slama Blog | © 2010 by DheTemplate.com | Supported by Promotions And Coupons Shopping & WordPress Theme 2 Blog | Tested by Blogger Templates | Best Credit Cards