Reklama

jeudi 29 janvier 2004

0
مقال كتبته سنة 2002 عن المصادرة باسم الدّين وطابعها الوسواسيّ




جنون مصادرة الأدب

النّصوص التي تصادر كلّ يوم، والكتّاب الذين تكمّم أفواههم والذين يلاحقون ويشرّدون وتهدر دماؤهم... مسائل كثيرا ما تقع خارج اهتمام المنشغلين بالأدب، وكثيرا ما تقع خارج اهتمام النّاشطين في حقوق الإنسان لكثرة مشاغلهم في عالمنا، واضطرارهم في الغالب إلى الدّفاع عن وجودهم وبقائهم وبقاء منظّماتهم الهشّة. ولنتساءل : كم ديوانا شعريّا ستطوله قبضة الرّقابة إضافة إلى ديوان أبي نواس الذي لم يكن للبيع بل لمجرّد العرض في معرض الكتاب الأخير بالقاهرة؟ ألم يعد الشّعر "ديوان العرب"؟ ماذا بقي للعرب إذا أمعنوا في امتهان أنفسهم وأعدموا ما كان مفخرتهم القديمة؟ أيّ أمّة يمكن أن تقاوم آلة العولمة المنمّطة وهي تقتل ذاكرتها وتحاصر مبدعيها؟ كم كتابا يقبع في مخازن المطابع الموصدة المحروسة بشتّى المدن العربيّة؟ كم كتابا يطبع بـ"المهجر"، ولا يجد طريقه إلى الأقطار العربيّة؟ كم مبدعا طعن بخنجر أو طعن بغير خنجر إضافة إلى نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1988، المطعون سنة 1994؟ من يستطيع الإتيان على قائمة الكتّاب والإعلاميّين الجزائريّين الذين ابتدأت مجزرتهم الرّهيبة منذ 1993؟ ولماذا لا نذكرهم في مؤتمراتنا ولا نحيي ذكراهم على الصّعيد العربيّ كما نحيي ذكرى غيرهم؟ كم مبدعا امّحى من الوجود، فلا يعرف هل هو من الأموات أم من الأحياء في أقطار يقع فيها تنظيم إبادة المبدعين وتنظيم الصّمت حولهم؟ كم امرأة تجرّأت على الخروج من سجن البيت والخمار إلى عالم الشّعر الفسيح فحوكمت بتهمة المسّ بالأخلاق وبالدّين، أو لعنها خطباء المساجد؟ كم كتابا أدانته مؤسّسة الأزهر بتهمة المسّ بالإسلام إضافة إلى رواية "وليمة لأعشاب البحر"؟ كم كتابا أوقفت طباعته في مصر إثر الحملة التي استهدفت هذه الرّواية؟ كم شاعرا قطع رأسه بتهمة الكفر والرّدّة كما قطع رأس السّعوديّ صادق الملالح يوم 3/9/ 1992 في مدينة القطيف؟ من لنا بما قاله هذا الشّاعر من شعر؟ بأيّ كلام نطق، أيّ شوق هزّه قبل أن يهوي عليه سيف الجلاّد؟ من يذكره ويتذكّره، أيّ المؤسّسات الرّاعية للأدب تجرؤ على هذا؟ من يستطيع حصر الكتب الممنوعة في المملكة العربيّة السّعوديّة التي كان ترابها مهدا للأدب العربيّ في عصور ألقه الأولى؟ جرّبت هذا التّمرين المضني، فبدا لي من الأولى والأرجح أن أحصي عدد الكتب الإبداعيّة المسموح بها لا الممنوعة. وكم تساءلت : ألم يكن عمر بن أبي ربيعة يلهو بين مكّة والمدينة ومنتزه العقيق ويخاطب النّساء وينطقهنّ في شعره؟ ألم يكن ابن أبي عتيق، حفيد أبي بكر مولعا بالغزل، منتصرا للعشق وللعشّاق؟ ألم يكن بيت سكينة بنت الحسين يغصّ بالشّعراء والمغنّين؟ ألم يقل لنا الإمام مالك إنّه أوشك أن يكون مغنّيا ومنعه من ذلك قبح وجهه؟ هل كان كلّ هؤلاء كفرة ومرتدّين؟ أم أنّ نجدا بصباها وحمامها السّاجع "في رونق الضّحى"، لم تعد نجدا، والحجاز بلهوها وغزلها لم تعد الحجاز؟
لا أقدّم هذه الأسئلة والأمثلة للتّشهير ولا للإشهار، بل مواصلة لجهود المثقّفين الذين تصدّوا للرّقابة والمصادرة على أعمدة "القدس العربيّ" و"أخبار الأدب" وبعض الصّحف القليلة الأخرى، ومساهمة في تشخيص هذا الدّاء، داء الرّقابة على الأدب ومصادرته وقد أصبحت مجنونة تجرّم المبدعين وتمتدّ إلى الماضي والحاضر سيّان. لعلّ أوّل علامة على هذا الجنون تعود إلى سنة 1985، عندما لم تكتف يد "الرّقابة" في مصر بمحو صفحات من كتاب ألف ليلة وليلة، بل أدانته بتهمة المسّ بالأخلاق وإفساد الشّبيبة، وصادرت ثلاثة آلاف نسخة منه، وأحرقته في مشهد جدير فعلا بمحاكم التّفتيش القروسطيّة، وأدّت إلى سجن النّاشر والطّابع. ما ظننّا أنّه ألقي في سلّة مهملات التّاريخ يعود : حملات التّكفير والتّطهير الدّينيّ، ومطاردة كبش الفداء الذي تصبّ عليه المجموعة كلّ غضبها الحاضر والماضي، وإحراق الكتب في السّاحات العموميّة، عندما تضيق السّاحات العموميّة عن أفعال عموميّة من نوع آخر.

لا شكّ أنّ الإطلاق في العنوان (مصادرة الأدب) والاستعارات المشخّصة لها (الجنون، القبضة...) لا يمكن أن يحجبا عنّا تعدّد واقع المصادرة والرّقابة والإبداع. فالإبداع مستمرّ رغم كلّ شيء والنّصوص الجيّدة تجد طريقها إلى القارئ الذي يطلبها ويشتهيها لا سيّما إذا صودرت واكتست "جاذبيّة الثّمرة الممنوعة" كما يقول الفرنسيّون. ولا يخفى كذلك أمر التّفاوت بين مختلف الأقطار العربيّة في هذا المجال، فهيئات الرّقابة ليست نفسها في مختلف الأقطار العربيّة، وما يمنع في بلد قد لا يمنع في الآخر، بل قد يجد طريقه إلى النّشر وقد يدرّس في المعاهد والجامعات، واهتمامات الرّقابة قد لا تكون منصبّة على الأدب بل على الصّحافة، في أقطار يحظى فيها الأدب بغفلة الرّقيب، وتقع الصّحافة السّياسيّة والمنشورات الأخرى تحت عينه الفاحصة، بل وتقع الأنترنيت نفسها والبريد الألكترونيّ تحت قبضته التي لا تقلّ جنونا وهوسا عن قبضة الرّقيب على الأدب. إلاّ أنّ دور المثقّف العربيّ هو مقاومة عنفها أينما كانت بدل التّعلّل بعدم خلوّ المجتمعات الغربيّة من الرّقابة والمصادرة أو بأنّ البقاء للأصلح، أو بأنّ الأديب ليس في حاجة إلى افتعال الصّدام مع يسمّى بـ"المسلّمات والثّوابت" الدّينيّة والأخلاقيّة أو غير ذلك من الحجج التي لا تبرّر إلاّ الخذلان. لا نتحدّث طبعا عمّن يحمل القلم للدّفاع عن منع الكتب، أو لإيجاد الأعذار له، فمفهوم "المثقّف" لا أراه ينطبق عليه. أكتفي بذكر العوامل التي تجعل اهتمام جميع المثقّفين بالرّقابة والمصادرة ضروريّا ومستمرّا :
1/ المصادرة ذات طبيعة توسّعيّة، فالمبهمات التي تستند إليها هيئات المصادرة كـ"الثّوابت" و"المقدّسات" و"الحياء العامّ" و"الأخلاق" و"النّظام العامّ"... يمكن أن يحشر فيها كلّ قول وكلّ فعل. إنّها أخطبوط يمكن أن يمدّ أصابعه إلى كامل الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، ولست أدري ما كان يمكن للمصادرة أن تكون لو لم يتصدّ إليها الكثير من المثقّفين العرب فرديّا وجماعيّا. هذه المقاومة، رغم ما عليها من مآخذ سنبيّنها في بحث لاحق هي التي أدّت مثلا إلى إلغاء حقّ الأفراد في إقامة دعوى الحسبة في مصر، ممّا جعل محاولة تطليق نوال السّعداوي من زوجها تبوء أخيرا بالفشل، وهي التي رفعت الحجر عن الكثير من الكتب المحجوزة في أقطار عربيّة أخرى.
2/ إنّها أصبحت دمويّة لاستنادها في الكثير من الأقطار العربيّة إلى حكم الرّدّة، المؤدّي إلى التّكفير والقتل أو الدّعوة إلى القتل، والمؤدّي إلى حملات إدانة جنونيّة لا تنتهي. فكلّ أدب أو كلّ كلام في الدّين يمكن أن يوجد من يكفّر صاحبه ويدعو إلى قتله. أليس من سخرية القدر أنّ الذي اتّهم نصر حامد أبو زيد بالرّدّة وطالب بتطليقه من زوجته هو نفسه وجد من يتّهمه بالرّدّة؟ إنّ مبدأ "عدم الإكراه في الدّين" واضح في بعض آيات النّصّ القرآنيّ، وهو يبطل الحكم بقتل المرتدّ، ويفتح المجال لممارسة حقّ من حقوق الإنسان هو حرّيّة المعتقد. وهو يجعل عقاب من يبدّل دينه حكما أخرويّا يخصّ علاقة الإنسان بربّه، ولا يستوجب تدخّل السّلطات أو الأفراد لحماية الإسلام ممّن خرج منه. هذا ما بيّنّه ودعا إليه مصلحون دينيّون مثل التّونسيّ محمّد الطّالبيّ والمصريّ جمال البنّا، ولكنّ هذه الأصوات التي نحتاج إليها اليوم تبقى غير فاعلة في غياب القرار السّياسي بدعم حرّيّة المعتقد، وفي وضع إعلاميّ يتّسم بتهميش وسائل الإعلام الأكثر انتشارا لأصوات هؤلاء المصلحين والمفكّرين. فالفضائيّات العربيّة مثلا لا تكاد تتّسع إلاّ لأشباه الفقهاء، ممّن يدّعون امتلاك الحقائق الصّالحة لكلّ زمان ومكان، ويسارعون إلى الضّغط على الأزرار لإخراج الحلول والآراء الجازمة دون أدنى تردّد أو حيرة.
3/ إن لم ينجرّ عن المصادرة قتل وإبادة، انجرّ عنها ألم نفسيّ تعيشه الذّات المبدعة، وكثيرا ما نغفل عنه في غمرة التّنظير والعقلنة. هو ألم الإحباط التّامّ والإجهاض. الشّعور بالاختناق كثيرا ما يكون ترجمة جسديّة للرّقابة من منظور الذّات المصادرة، واسألوا المعنيّين بالأمر من أهل النّفوس الحيّة فسيجيبون.
4/كثيرا ما تستبطن المصادرة فتولّد مناخا من الرّقابة الذّاتيّة. هذا المناخ هو الذي تتضخّم فيه اللّغة الخشبيّة العقيمة التي لا تقول شيئا، ويصاب فيه المتكلّمون والخطباء بالتّلعثم، ولا تنجرّ عنه سوى الاحتفاليّات الورديّة والاستمناء الذّاتيّ الجماعيّ الذي نشهده في الكثير من عكّاظيّاتنا ومنتدياتنا.
5/ هي مؤشّر هامّ على ما تشترك فيه المجتمعات العربيّة رغم التّفاوت فيما بينها ورغم علامات الصّحّة الوهميّة أو الحقيقيّة في بعضها : البؤس السّياسيّ المزمن واللّجوء إلى الحلول الأمنيّة العاجلة عوض دعم برامج التّثقيف والتّربية على قيم التّحرّر والتّسامح، وتغليب الحسابات الضيّقة على مقتضيات الوقوف إلى جانب المبدعين والمثقّفين، وهشاشة المكتسبات المتعلّقة بالحرّيّات الفرديّة إن وجدت، وسيطرة ثقافة التّمجيد والدّعاية السّياسيّة على ثقافة الحوار والنّقد، وإلجام المدافعين عن القيم المدنيّة والسّياسيّة، وهيمنة أنماط التّفكير والعيش التّقليديّة الأبويّة، وهي الأساس الذي تعود إليه أزمة الدّيمقراطيّة والتّعدّديّة في العالم العربيّ.
ولا شكّ أنّ وضعيّة الرّقابة على الأدب هي جزء من كلّ هو بؤس القوانين المنظّمة لحرّيّة التّفكير والتّعبير في العالم العربيّ رغم التّفاوت في درجات البؤس. فمعلوم أنّ القوانين المتّصلة بالحقّ في التّعبير مخالفة للدّساتير التي تنصّ على هذا الحقّ وللاتّفاقيّات الدّوليّة التي صادقت عليها البلدان العربيّة بتحفّظ متضخّم يؤدّي إلى إلغائها، أو بإنشاء ترسانة القوانين القطريّة التي تقيّدها إلى حدّ الإلغاء، وإلى حدّ تجريم النّقد والتّفكير الحرّ. إنّها رقابة وقائيّة في الغالب، بما أنّ هذه القوانين تفرض تأشيرة مسبّقة على كلّ المنشورات في أغلب الأقطار، أو تفرض إعلاما هو نفسه قد يؤول إلى تأشيرة عند التّطبيق. وفي بعض الأقطار العربيّة تضاف إلى قيد التّرخيص المسبّق قيود أخرى كاشتراط تأمين ماليّ أو فرض رأس مال مرتفع بالنّسبة إلى الخواصّ أو فرض الأمرين معا. ثمّ إنّ الغالب على هذه الرّقابة أنّها إداريّة لا قضائيّة، فهي ليست سوى مظهر من مظاهر سيطرة السّلطة التّنفيذيّة وتقلّص دور المجتمع المدنيّ على افتراض وجود سلطات مختلفة ووجود مجتمع مدنيّ حقيقيّ. هذه الرّقابة الإداريّة يكتنفها الغموض والاعتباط، وتتوقّف قراراتها في الغالب على مزاج بعض الإداريّين المبادرين إلى المنع درءا لكلّ شرّ أو المتحمّسين له التذاذا بتعذيب القادرين على الكتابة لكي يدفعوا ثمن الإبداع وبقاء الذّكر. وفي مصر تتعدّد هيئات الرّقابة والمصادرة، فتصدر عن جهات أخرى مثل مؤسّسة الأزهر الدّينيّة، وجمعيّة جبهة علماء الأزهر، ومجموعات ضغط أخرى مثل الأحزاب والصّحف... بل تفيد بعض الصّحف أنّ عمّال المطابع الحكوميّة أنفسهم يتدخّلون لحذف الصّفحات والصّور. وقد تنبع الرّقابة من الأفراد المحامين الذين كانوا إلى عهد قريب يقيمون دعوات الحسبة، وهو ما أدّى إلى فضيحة الحكم بتطليق نصر حامد أبو زيد من زوجته. الكلّ يراقب، والكلّ ينصّب نفسه خازنا لأشياء "ثابتة" و"مقدّسة" ولكنّها قابلة للانكسار، أو قابلة للسّرقة.
هذا العامّ ينبغي أن لا يحجب عنّا الخاصّ الذي هو الأدب، ومن هنا فرضيّة الجنون والاختلال التي سنحاول توضيحها. فالعرب القدامى لم يكونوا يصادرون شعر الخمرة والخلاعة والمجون ولا يدعون إلى حرق كتاب ألف ليلة وليلة ولا مقامات المكدّين السّاخرين من كلّ الشّرائع، ولا أبيات ابن هانئ الأندلسيّ التي يؤلّه فيها ممدوحه، ولا أبيات المعرّى المتشكّكة السّاخرة... كان النّقّاد يشيرون إلى عيوب الشّعر التي منها إشراك المخلوق بصفات الخالق، وكانوا يبدون امتعاضهم من الأسمار والحكايات التي يولع بها عامّة النّاس ، فيصفونها بالبرودة والرّكاكة، ولكنّهم لم يكونوا يكفّرون ولا يدعون إلى حرق الكتب. طبعا لم يكن الماضي فردوس الحرّيّة المفقود، وخاصّة بعد القرن الرّابع، عندما بدأت عناصر الانغلاق المذهبيّ والفكريّ تترسّخ، ولكنّ المصادرة والإدانة كانت تتجه أساسا إلى المفكّرين والفلاسفة وأصحاب المذاهب، ولم تكن تتّجه إلى الأدب بصناعتيه القديمتين، أي بشعره ونثره. لا يعود هذا إلى أنّ الرّقابة النّظاميّة على الكتب ظاهرة حديثة تساوقت مع الطّباعة فحسب، بل يعود هذا إلى أنّ القدامى توفّروا، في رأينا، على حدّ أدنى من التّوازن النّفسيّ والعقليّ الذي جعلهم لا يخلطون بين مختلف الحقول الثّقافيّة المؤسّسة للثّقافة، ولا يصابون بالخوف المهووس من ضياع الدّين. أكتفي بذكر بعض المظاهر من هذا التّوازن وهذه القدرة على ترك الخوف :
-لقد فصلوا عموما بين الشّعر والدّين، فأعلن قدامة بن جعفر بكلّ وضوح أنّ "الشّعر بمعزل عن الدّين". وأدركوا أنّ الأدب لا يتغذّى من الخير، أي من الدّين والأخلاق، بل يتغذّى من مناطق معتمة في الذّات البشريّة، ويتغذّى من خرق القانون أو الوقوف على شفا الخرق. لا أدلّ على ذلك من قول الأصمعي، وهو راوية أشعار وأخبار : "الشّعر نكد بابه الشّرّ، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسّان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام سقط شعره."
- لقد وعوا بضرورة الهزل لكي يمكن الجدّ أو لكي يستقيم، وهذه الثّنائيّة أساسيّة في فكر الجاحظ وفي تصوّر الأدب عموما. فاللّهو والبطالة والمجون أمور ضروريّة لتوازن الذّّات البشريّة، بل إنّها بعد ضروريّ من الأبعاد المعرّفة بها. فالإنسان هو النّاطق والمائت وذو اليد وذو الفكر، ولكنّه إضافة إلى ذلك اللاّهي، البطّال، الملتذّ بالخروج أحيانا من دوائر الجدّ والدّين جزء منها.
-فهموا الحياة نفسها على أنّها تأرجح بين الضّلال والرّشاد، بحيث أنّ الحركة التي تؤدّي إلى الضّلال هي نفسها شروع في العودة والإنابة، فلا يمكن الرّشاد دون ضلال.
-ميّزوا بين الأحكام الدّنيويّة والأحكام الأخرويّة، فهناك أمور يحاكم عليها المسلم فيما بينه وبين ربّه ولا يجوز أن تتدخّل بشأنها سلطة أخرى لإنزال العقوبات.
هذه القدرة على التّمييز هي التي اختلّت لدى معاصرينا من المتديّنين أو ممّن يسوسون المقدّس. وممّا يرتبط بهذا الاختلال، وربّما يفسّره، الشّعور بالتّحدّيات التي تواجهها الأديان في العصر الحديث. ولكنّ هذا الشّعور عوض أن يولّد تفكيرا في ممكنات تطوير المنظومات والمؤسّسات الدّينيّة استجابة لهذه التّحدّيات، ولّد ردّة فعل مرضيّة تنبني على الخوف والهوس، والهروب إلى الوراء، بحيث أصبح المتديّن يرى في مجرّد رواية أو مجرّد بيت شعر خطرا يمكن أن يعرّض عقائد مئات الملايين إلى الاضمحلال. ولعلّ أبرز دليل على ردّة الفعل هذه نجده في ما أصبح يتردّد من حديث عن إهانة الإسلام، بل ومن حديث عن إهانة الذّات الإلهيّة. يقول الخبيران الأزهريّان اللّذان كتبا تقرير إدانة "وليمة لأعشاب البحر" إنّ هذه الرّواية "مليئة بالألفاظ والعبارات التي تحتقر وتهين جميع المقدّسات الدّينيّة، بما في ذلك ذات اللّه سبحانه وتعالى، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، والقرآن الكريم واليوم الآخر، والقيم الدّينيّة." (القدس العربيّ، 18/5/00) فكيف يمكن للذّات الإلهيّة التي أبى القدامى وصفها بصفات البشر، وأبوا إخضاعها إلى مقولات النّسبيّة، كيف يمكن أن تهان كما يهان إنسان محدود مظروف فان؟ من الذين يُهين الذّات الإلهيّة في الحقيقة : الرّوائيّ أم مصادروه الذين يشيّئون اللّه وينسّبونه، ويخافون عليه من ظلم المخلوقين؟
وأخيرا، لا أرى سبيلا إلى مواجهة جنون المصادرة إلاّّ بتطوير التّشريعات الضّامنة للحقّ في التّعبير والنّقد، والضّامنة لحرّيّة المعتقد في الوقت نفسه. ولا يكون هذا ممكنا إلاّ إذا توفّر القرار السّياسيّ بتطوير هذه التّشريعات وبتغليب التّربية والتّثقيف على الإجراءات الأمنيّة. ولا بدّ أن يتساوق هذا التطوير مع إصلاح دينيّ عميق يعيد تنظيم دوائر القانون والدّين والأخلاق، ويوضّح ما لا يمكن أن يجرّمه القانون في عصرنا هذا، ويؤدّي إلى إبطال حكم الرّدّة الذي ظلّ سيفا مسلّطا على كلّ من جهر برأي أو استسلم إلى حلم. أمّا المدافعون عن الأدب والإبداع عامّة فإنّ دورهم ليس بالهيّن، لأنّ الإبداع هو الثّانويّ الخطير الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ويمكن أن ينبع منه كلّ توق إلى الحرّيّة. عليهم أن يتركوا التّعليلات الواهية ليدافعوا عن حرّيّة التّعبير بلا قيد أو شرط سوى الدّعوة إلى قتل الآخرين، ولكنّ عليهم أيضا أن يعلنوا الحقّ في اللّهو والسّخرية والضّلال. دعني أضلّ، لي الحقّ في أن أضلّ لكي أعود بأدراجي إلى الحقّ، أو عسى أن أعود إلى حقّ ما. دعني أحِدْ عن الهدى لكي تمكن لي التّوبة. ثمّ أيّ هدى يمكن أن أتّبع؟ أيّ سلطة يحقّ لها اليوم أن تسطّر طريق الهدى في كلّ ما هو ذاتيّ كلّ الذّاتيّة، وفي كلّ ما هو لهو ومتعة خياليّة؟
 
Dr Raja Ben Slama Blog | © 2010 by DheTemplate.com | Supported by Promotions And Coupons Shopping & WordPress Theme 2 Blog | Tested by Blogger Templates | Best Credit Cards